<div dir="rtl" style="text-align: right;" trbidi="on">
جهة طنجة- تطوان كنموذج ( ملف خاص )
محمد صباحي // كلية الآداب- تطوان
Email : inasszaid@hotmail.com
لقد أكدت كل الدراسات والأبحاث، أن الوسط الطبيعي بالمغرب في تدهور مستمر في شتى مظاهره، مما يهدد بحق مستقبل التوازنات البيئية ." لقد خلصت الدراسات* التي أجريت مؤخرا إلى أن التكلفة السنوية لتدهور البيئة ببلادنا تصل إلى حوالي 13 مليار درهم، أي ما يعادل 3،7 % من الناتج الداخلي الخام. كما أن تكلفة استصلاح البيئة تعادل 1،8 % من الناتج الداخلي الخام "( كتابة الدولة المكلفة بالماء والبيئة / 2011 ) .
إن أشكال التدهور البيئي متعددة الوجوه، ويمكن اعتبار سوء التدبير والتعامل غير السليم للإنسان مع بيئته واستغلاله العشوائي والمكثف للموارد الطبيعية، من العوامل الرئيسة في زعزعة النظم الإيكولوجية والإخلال بالتوازن البيئي ببلادنا. فبدون بيئة سليمة لا تكتمل شروط التنمية المستدامة مهما كان شكل التحديات. " ومن المؤسف أن حجم موارد الأرض والبحر يتناقص باستمرار في الوقت الذي تتنامى فيه احتياجات السكان. لذا يتعين على المغرب أن يعي أن تنميته تعتمد في جزء كبير منها على قدرته على حسن تدبير موارده الطبيعية "(حميد نرجس وآخرون / 2000 ) .
وتشكل التعرية المائية وما ينتج عنها من مخلفات بيئية وتنموية إحدى الإكراهات الطبيعية التي يصعب معالجتها على المدى القريب. وتتجلى أهمية التعرية المائية حسب نوعية التكوينات الصخرية وأهمية درجة الانحدارات، و طبيعة الأمطار وحدتها وتاريخ سقوطها والمدة الزمنية التي تستغرقها وحالة الغطاء النباتي. فحركة المياه وتفاعلها داخل الأوساط الطبيعية يؤدي إلى انجراف التربة. ويمكن تحديد قابلية التربة للانجراف حسب العمق ونوعية الأساس* المكون لها .
I- التعرية المائية وانجراف التربة :
التعرية المائية هي ظاهرة طبيعية فيزيائية وكميائية تتعرض فيها التربة والصخور للنحت والتآكل. ويزيد من حدتها، هشاشة القاعدة الصخرية وضعف سمك التربة ووعورة منظومة الانحدارات وتدهور الغطاء النباتي وقساوة المناخ والاستعمال غير المعقلن للتربة من طرف الإنسان، كلها عوامل تساهم بشكل أو بآخر في انجراف** التربة. وتعد الأوساط الجبلية من الأكثر المجالات المغربية عرضة للتعرية المائية، بحكم توفرها على بيئة مناسبة تيسر من نشاطها. " و تتسبب التعرية المائية في فقدان 20000 هكتار من الأراضي سنويا لخصوبتها ولطبقتها القابلة للزراعة. إذ أن ما يزيد عن 11 مليون هكتار من الأراضي في الأحواض المنحدرة فوق السدود معرضة لأخطار كبيرة بالانجراف " ( مديرية إعداد التراب الوطني / 2002 ) .
تشهد معظم الأحواض النهرية بالمغرب تعرية مهمة، حيث يزيد حجم انجراف التربة بالمنحدرات الريفية لحوض سبو (ورغة) عن 2000 طن/كلم2 /السنة ، فيما تتراوح ما بين 1000 و2000 طن/كلم2 /السنة بالمنطقة الشبه الريفية لحوض سبو والحوض المائي اللوكس ، أما المنطقة التي تهم بعض الأحواض الفرعية لأم الربيع وسوس ، فهي تنحصر ما بين 500 و 1000 طن/كلم2 /السنة ، بينما بقية المناطق يقل الإتلاف النوعي للتربة بها عن 500 طن/كلم2 /السنة. " فبمنطقة الريف يفوق ضياع رصيد التربة بـ 2000 طن/كلم2 /السنة، ويتراوح ما بين 500 و 1000 طن/كلم2 / السنة، بالأطلس المتوسط و الكبير " ( Lahlou.A / 1994 ) .
يتميز المجال الريفي بخصائص جيولوجية ألبية حديثة التكوين. حيث أفرزت الحركات الإلتوائية التي تعرض لها المجال خلال الزمن الثاني والثالث بنيات معقدة مكونة من تراكمات سميكة ولزجة. فهو يتشكل أساسا من تكوينات دولومتية وكلسية، وأخرى طينية ومارنو- شيستية، إضافة إلى توضعات فليشية- شيستو- حثية والتي تشكل الأساس الصخري للجبال المتوسطية. " فالسلسلة من النوع الألبي تتكون من عدة مجالات بنيوية على شكل أشرطة موازية للبحر. وهو أصلا أخدود انطلق تكوينه منذ الزمن الثاني وتلقى رواسب سميكة يغلب فيها الفيليش. وتعود الحركات إلى الميوسين الأوسط والأعلى حيث تقدمت إلى الجنوب فرشات من الفليش أو من الصلصال وتراكبت بعضها فوق بعض"( عبد الله العوينة / 1989 ) .
ويشكل الريف النهاية الغربية للسلسلة الألبية التي تتميز ببنيتها الصعبة، حيث تأخذ شكل بنية إلتوائية زاحفة معقدة يغلب عليها شدة التقطع والتخديد وتعمق الأودية وقصرها. لذا،" فالسهول تبدو شبه منعدمة، حيث لا تمثل سوى 700 كلم2 (معظمها يتواجد بمحاذاة الساحل التطواني والحسيمة)، أي ما يعادل حوالي 2,2 % من إجمالي الميدان الريفي" (Thauvin J-P/ 1971 ) .
ويتميز الريف * بارتفاعات مهمة وانحدارات شديدة الوعورة، ساهم تواجدها في رحاب تكوينات جيولوجية غير منفذة إلى حد كبير في كثافة الجريان السطحمائي، الأمر الذي يزيد من حدة انجراف التربة وعدم استقرارها بالسفوح ، ولاسيما عند حدوث تساقطات مطرية عنيفة ومركزة." فمنطقة الريف الشمالي الغربي تنفرد بهشاشة سفوحها وعدم استقرارها. وعدم الاستقرار هذا الذي يلاحظ على إثر التساقطات المطرية الغزيرة، يتجلى في طبيعة السطح المتموج، الشكل المائل للأشجار، الانزلاقات .... "( محمد الطاهري وآخرون / 1999 ) .
إن هشاشة التكوينات الصخرية، مقابل قوة السيلان المائي وشدة الانحدارات يجعل التربة بالمجال الريفي المتوسطي ذات قابلية كبيرة للتعرية." تعم الريف صخور هشة تتجاوز نسبتها 70 % ببعض الجهات، وقد تصل 100 % بمقدمة الريف … وترتبط التعرية الخطية بالريف بسيول قوية ناتجة عن عدم نفاذية السطح وبقوة الانحدار وقلة الموانع التي تعترض جريان الماء بحيث يكتسب قوة ومفعولا أكبر"( بوشتي الفلاح / 2000) .
وتعتبر جهة طنجة -* تطوان بحكم انتمائها للريف الغربي مجالا غير مستقر، حيث تنشط فيه التعرية المائية بشكل كبير. وتتراوح كميات الرواسب التي تجرفها المياه بأحواض طنجة ما بين 800 و3100 طن/كلم2 /السنة ، أما تطوان ما بين 900 و 3360 طن/كلم2 /السنة ، فيما اللكوس ما بين 1146 و3905 طن/كلم2 /السنة ( وكالة الحوض المائي اللكوس / 2004 ). أرقام غير مطمئنة تهدد بالفعل التوازنات البيئية الهشة، كما تطرح أكثر من علامة استفهام على مستقبل الوسط البيئي بالجهة .
من جهة أخرى، تشكل التساقطات المطرية أحد العناصر الرئيسة المسببة في انجراف التربة، وذلك بفعل كثافة الزخات المطرية وقوة سقوطها على الأرض في فترة زمنية محددة من السنة، كما أن لتقلبات درجات الحرارة تأثير مباشر على عمليات انجراف التربة." وتعد التساقطات أهم محرك للتعرية المائية، التي تزداد حدتها بشكل متناسب مع عدوانية الأمطار. ويعتبر العنف المطري المسؤول الرئيسي عن الجريان، لأن الزخات المطرية هي التي تعمل على الرفع من كميته على حساب النفاذ " ( علي فالح / 2010 ) .
تخضع جهة طنجة- تطوان لتأثيرات المناخ المتوسطي، والذي يتميز بفصلين : أحدهما ممطر يوافق فصل الشتاء والآخر حار وجاف يمتد على أطول فترة من السنة. " ويعزى هذا، إلى تركز التساقطات المطرية في فترة زمنية محددة من السنة، بل وأحيانا تكون مركزة في بعض الأيام من فصل الشتاء، وهي ما تعرف بالتساقطات الوابلية (انجراف المواد المفتتة بشكل كبير) والتي تتسبب في تشبع سريع للمجالات السطحية فيظهر الجريان السطحي " ( محمد صباحي / 2004 ) .
إن المناخ المتوسطي * بمظهره العام داخل المجال الريفي يطرح تهديدا حقيقيا للتربة وينبيء باستفحال العمل المورفودينامي للسفوح وما سيلحقها من انزلاقات وانجرافات للأتربة والأوحال مستقبلا. فالتساقطات المطرية بالريف تكون عنيفة وغير منتظمة، وتنزل فوق سفوح شديدة الانحدار، وذات قاعدة صخرية هشة، مما ينشط عملية التعرية بكثرة. ويمكن تقسيم كمية المواد المنقولة بالمياه حسب نوعين من السيرورات : هناك الإنجرافات الكتلية والتدفقات الوحلية التي تنشط بالأخص على المنحدرات ذات التكوينات الصلصالية .
يلعب الغطاء النباتي دورا مهما في تثبيت التربة في مكانها والحفاظ على تماسكها، بل وحمايتها من التعرية المطرية وتأثيرات أشعة الشمس، وبالتالي يحول دون انجرافها وحدوث انزلاقات أرضية.
ويبقى انجراف التربة رهين بمدى كثافة الغطاء النباتي ( كثيف أم هزيل ) وتنوع تشكيلاته الشجرية والعشبية التي تتغير حسب نوعية التربة والارتفاع. كما أن آثار وأضرار الانجراف تظهر بدرجات متفاوتة حسب أهمية الضغط البشري على الغطاء النباتي ، فتراجعه لا يمكن فصله عن العوامل الأخرى المؤثرة في انجراف التربة بمختلف جهات البلاد .
يغطي المجال الغابوي** بالمغرب حوالي 9 مليون هكتار(منها 5،8 مليون هكتار عبارة عن غابات و3،2 مليون هكتار مكونة من سهوب الحلفاء)، أي ما يعادل 12 % من المساحة العامة للبلاد، علما أن المعدل الضروري للتوازن البيئي هو ما بين 15 % و 20 % . " وطبقا للمادة الثانية من ظهير 10 أكتوبر1917، فإن تدبير الملك الغابوي والعقارات يسري عليها النظام الغابوي وهو من اختصاص
المندوبية* السامية للمياه والغابات ومحاربة التصحر " ( المجلس الأعلى للحسابات / 2009 ) .
ويرتبط تأثير الإنسان على الغطاء النباتي حسب كثافة السكان وطبيعة تدخلهم. ويتوقف هذا التدخل على نوع الطرق والأساليب المتبعة في استغلال المجال. فالوضع السو سيو- اقتصادي الصعب الذيعيش فيه السكان بالأوساط الجبلية يدفعهم إلى الإفراط في ممارسة حقوق الانتفاع، إذ يعتبر أغلبه أن الغابة امتداد لحيازتهم الفلاحية، وذلك عن طريق الإجتثات المكثف للحصول على أراضي زراعية إضافية، دون مراعاة القواعد والأعراف الخاصة بالاستغلال الغابوي .
هناك أيضا، الرعي الجائر الذي يفوق بكثير طاقات المراعي الطبيعية والاستغلال المفرط للحطب. إضافة إلى الحرائق التي تأتي على آلاف الهكتارات من المساحات الطبيعية، خاصة في فصل الصيف. ويمكن حصر أسبابها في لامبالات السكان والمارين عبر الطرق والمسالك أو متعمدة قصد الترامي على الأراضي وحرثها لزراعة القنب الهندي كما هو الشأن بمنطقة الريف .
في خضم هذا الوضع، يعرف الغطاء النباتي ببلادنا تدهورا مستمرا يزيد من تفاقم انجراف التربة. ويقدر تراجع المساحات الغابوية بمعدل 31000 هكتار/ السنة، منها 000 22 هكتار( خشب متقطع ) يلبي استعمالا مزدوجا " الطهي والتدفئة " ، و6000 يتم اجتثاتها ( قلع الأشجار). أما 000 3 هكتار، فهي ناتجة الحرائق الغابوية ( مديرية إعداد التراب الوطني / 2001 ) .
كما أن عدم استخدام تقنيات وأساليب الحفاظ على التربة في الأراضي المزروعة والمراعي يجعل التربة أكثر عرضة للانجراف. إذ أن الحرث العصري في اتجاه انحدار السفوح الذي يسهل تركز الجريان بأخاديد الحرث، يؤدي إلى ضياع 543 ط/ كلم2 في السنة، بينما لا تمثل هذه الكمية سوى 112 ط/ كلم2 عند استعمال المحراث التقليدي .
وتعتبر الأوساط الجبلية بالأطلس والريف أكثرها تهديدا من حيث تراجع المساحات الغابوية. لقد عرفت الغابات الطبيعية بالريف تراجعا في مساحتها وصل في المتوسط سنويا إلى 2800 هكتار بجهة طنجة - تطوان. " فهناك تدهور التربة وتوسع تأثيرات الانجراف المكثف على حساب الأراضي المزروعة مع الغياب الشبه التام لمشاركة السكان المحليين في حماية هذه الموارد " ( مديرية إعداد التراب الوطني / 2000 ) .
أمام هذا الوضع، تقوم حاليا ( 2011 ) المندوبية السامية للمياه والغابات ومحاربة التصحر بعملية تشجير مايناهز 35000 هكتار /السنة، وهناك التفكير في رفع هذه النسبة إلى 50000 هكتار/السنة. وبالرغم من هذه المجهودات، إلا أنها تبقى غير كافية في ظل ضعف الإمكانيات المادية والتقنية والقانونية. " يكاد يتفق جل الفاعلين في مجال البيئة في المغرب على أن الغابة ببلادنا تواجه عدة مخاطر وصعوبات مرتبطة بالعوامل الطبيعية. لكن الشق الأكبر منها يتعلق بالعوامل البشرية" ( خالد ابن شقرون /2011 ).
لقد ساهم التدهور الذي لحق المساحات الغابوية بالمغرب إلى تقليص التنوع البيولوجي على مستوى النظم البيئية والأصناف، وكذا تحويل النظم البيئية المتوازنة إلى نظم مبسطة وبالتالي هشة. إن الآثار المتراكمة عن تدهور الأوساط البيئية ساهم في إتلاف مجموعة من الموارد الطبيعية، ومن ضمنها انجراف التربة وظاهرة توحل حقينات السدود .
II - التوحل وانعكاساتة :
يقصد بالتوحل التراجع التدريجي لسعة تخزين حقينات السدود بفعل تراكم الأوحال، الذي هو نتيجة حتمية لظاهرة انجراف التربة، ويشكل إحدى الإشكالات الكبرى التي تهدد السير الوظيفي لهذه المنشآت المائية، بل وتشكل تهديدا حقيقيا لسلامة ولأمن السدود. " إن انجراف التربة الناتج عن سوء استعمال الموارد الغابوية، وعدم القيام بتشجير المناطق المجاورة لمراكز السدود، أدى بالسدود إلى الامتلاء بالتربة، وذلك بسرعة فائقة فتقلص مردودها الاقتصادي وعملها الإنتاجي في خزن المياه وإنتاج الكهرباء " (إدريس بن صاري وأحمد عاتق/ 1982 ) .
ويمكن اعتبار تراكم الأوحال بحقينات السدود أحد مؤشرات التدهور البيئي بالمغرب. فهناك مجموعة من السدود تعرف سنة بعد أخرى تزايدا في كميات الترسبات، وبالتالي تقلصا في حجم المياه المعبأة في حقيناتها * . ويهم التوحل جل السدود الوطنية، لكن بنوع من التباين من منشأة هيدرولوليكية لأخرى حسب تنوع الأوساط الطبيعية وطريقة تدخل الإنسان .
وتتراجع سعة تخزين حقينات السدود ببلادنا بأكثر من 75 مليون م3 / السنة، ومن المحتمل أن تصل إلى 100 مليون م3 في حدود 2020 ، ثم إلى 150 مليون م3 / السنة في أفق 2030 . " كما أن مستويات توحل أحواض السدود يتسبب سنويا في احتلال مساحات تعادل حقينة 75 مليون متر مكعب، أي ما يساوي حقينة سد من الحجم المتوسط، من شأنه أن يضمن ري أكثر من 10000 متر مكعب .." ( المغرب الممكن / تقرير الخمسينية / 2006 ) .
هناك خمسة سدود فقدت أكثر من 40 % من سعتها الأصلية، وهي مشرع حمادي ووادي المالح وسيدي إدريس ومحمد الخامس** والنخلة. فيما سبعة سدود فقدت من طاقتها مابين 20 % و 40 % ، ويتعلق الأمر بسد ابن بطوطة والمنصور الذهبي والحسن الداخل ومحمد بن عبد الكريم الخطابي وللا تاكركوست وسد القنصرة وواد المخازنن، أما باقي السدود أقل من 20% من طاقتها التخزينية. الجدول التالي، يعطينا فكرة عن تراجع مخزون مياه حقينات بعض السدود بجهة طنجة- تطوان .
جدول معدل التوحل لبعض السدود بجهة طنجة- تطوان (2003 / 2004)
السد
سنة العمل
طاقة الخزن الأولية (بالمليون م3)
طاقة الخزن/ 2004 (بالمليون م3)
معدل التوحل م. م3 / السنة
ابن بطوطة
1977
43،6
32،5
0,41
9 أبريل 1947
1995
301
-
0،5
أسمير
1991
43،1
41،4
0،15
النخلة
1961
9
4،7
0،26
واد المخازن
1979
807
699،4
3،7
علي ثلاث
1935
30
متوحلة
0،78
المصدر: وكالة الحوض المائي اللكوس ، تطوان / مارس 2011 ..
أهم ملاحظة تسترعي الانتباه عند قراءة معطيات الجدول أعلاه، هو تراجع طاقة تخزين السدود من المياه منذ الشروع في عملها إلى حدود 2004. فعلى سبيل المثال، سد واد المخازن فقدت سعته بسبب تراكم الأوحال 107،6 مليون م3 والنخلة بحوالي 4،3 مليون م3 ، أي تقريبا 50 % من طاقته التخزينية. ونفس الشيء يقال بالنسبة لمعدل التوحل الذي يعرف أرقاما مرتفعة بالسدود المعنية. " إنه على الرغم من حداثة نشأة بعض السدود بالمنطقة، فإن الشطر الميت منها كله متوحل (مثال سدود ابن بطوطة وواد المخازن). بالنسبة للسدود غير حديثة العهد، فإن نسبا مئوية مرتفعة منها قد توحلت (حالة سد علي ثلاث) " (وكالة الحوض المائي اللكوس- تطوان/ تقرير/ 2006-2007) .
ونظرا لأهمية انجراف التربة وتوحل السدود بجهة طنجة- تطوان، أجريت بعض الدراسات على سدود الجهة. نأخذ منها على سبيل المثال، خلاصة دراسة سد* واد المخازن، على اعتبار كونه يعد أكبر سد بالجهة ، وفي نفس الوقت يعاني بحدة من مشكل التوحل. وقد اعتمدت هذه الخلاصة على معطيات ميدانية وتقنية وإحصائية مستخلصة من تقارير وكالة الحوض المائي اللكوس والمكتب الجهوي للإستثمار الفلاحي اللكوس. ويمكن إيجاز النتائج التي أفرزتها في النقط التالية :
.
× هشاشة الصخور بعالية الحوض ووسطه مما سهل من عمليات التعرية. هذه المنطقة مكونة أساسا من صخور هشة تعرضت لتعرية عنيفة. فبعد التشبع بمياه الأمطار، تتعرض صخور السفوح الصلصالية- الطينية والمارنية على التوالي إلى الانزلاق وتدفقات وحلية ؛
× تباين في الوحدات التضاريسية، فهي تتميز بالتنوع والتدرج في الارتفاع كلما اتجهنا من الغرب نحو الشرق. فإذا كانت سافلة الحوض تتسم بأراض منبسطة بها ارتفاعات ضعيفة، فإن اللكوس الأوسط والأعلى تكسوه مجموعة من التلال والجبال. هذه الوحدات توفر لها ارتفاعاتها وتأثرها بالعوامل المناخية ظروف ملائمة لنشاط التعرية ؛
× تساقطات مطرية عنيفة شتاء باللكوس الأوسط والأعلى، حيث يتراوح المعدل ما بين 700 ملم (بمحطة الساحل أزلا) و 200 1 ملم (بمحطة تانقوب). ومع شدة الانحدارات وقوة الجريان المائي، تصبح عمليات التعرية أكثر حيوية، مما يعجل في نقل وترسيب المواد في سافلة الحوض ؛
× تراجع الغطاء النباتي خاصة بالجزء الأعلى والأوسط من حوض اللكوس، يسرع من انجراف التربة. ويعتبر تدخل الإنسان طرفا رئيسيا في الإخلال بالنظم الإيكولوجية داخل الحوض، بسبب الاستغلال العشوائي والمفرط للغابة. كما أن قطع الحطب والتفحيم وتربية الماعز وحرث الأراضي في اتجاه الانحدار، ساهم بشكل أو بآخر في تدني الغطاء النباتي في مناطق مختلفة من الحوض .
يبدو جليا إذن، أن انجراف التربة بالحوض، تعود أسبابه إلى عوامل طبيعية وأخرى بشرية. "… إن 66 % من تراب حوض اللكوس تقع في مناطق جبلية، حيث تؤدي قساوة المناخ وشساعة القواعد الأرضية الهشة إلى انجراف التربة..." ( المجلس الأعلى للماء والمناخ/ 1993 ). وقد ترتب عن توحل سد واد المخازن، انعكاسات تقنية وسوسيو-اقتصادية، يمكن تلخيصها في النقط الآتية :
X تراجع طاقة تخزين المياه بحقينة السد، ففي سنة 1979 كان الحجم العادي للحقينة يبلغ إلى 807 مليون م3، في حين أصبح سنة 2004 لا يتجاوز 699،4 مليون م3 ؛
X عرقلة برامج التنمية بحوض اللكوس، ولاسيما المجالات السقوية بالرمل 1 و 2 وبسهل القصر الكبير والدرادر. فهناك العديد من الهكتارات تعرف انخفاضا في الإنتاجية الفلاحية وتراجعا في المردودية، فالأعطاب الناجمة عن الوحل تؤدي إلى ضياع أكثر من 25 % من المياه الموجهة للسقي.علاوة على كون ارتفاع الغرين في مياه السقي، يؤدي إلى تغيير في بنية ونسيج تربة الأراضي المراد سقيها ( تضاؤل إنتاجية الأراضي ) ؛
X تعرض منشآت السد والتجهيزات الهيدروفلاحية إلى عدة أعطاب. لقد علمنا أن المواد المنقولة المتراكمة في قعر السد، تهدد سلامة المنشآت، كآليات التفريغ والقنوات ومآخذ المياه وحواجز الكبس والعدادات، حيث تقوم الإرسابات بخنقها وتعطيل وظيفتها أحيانا. كما تصبح سلامة السد مهددة بفعل المواد المرسبة خاصة منها الصلبة مما يشكل قوة دافعة على السد. كذلك ترسب الوحل في المنشآت الهيدروفلاحية، ينتج عنه إتلاف آليات محطات الضخ والقنوات الرئيسية وشبكة السقي وما إلى ذلك.
X تفشي ظاهر التخاصب *، أي انتشار كائنات عضوية مرئية وطحالب مجهرية في مياه بحيرة السد. فالتوحل يساعد على تشكيل وسط ملائم لتنامي ظاهرة التخاصب. الأمر الذي ينتج عنه الزيادة في تكلفة معالجة المياه الموجهة لقطاع الماء الصالح للشرب. مع العلم أن مياه السد تغطي حاجيات مجموعة من دواوير منطقة اللكوس والمدن المجاورة لها (وزان والقصر الكبير وسوق الأربعاء الغرب وبلقصيري، إلخ) بالماء الصالح للشرب انطلاقا من سد واد المخازن .
X تفاقم خطرالفيضانات في حالة الحمولات القوية. فسافلة الحوض تعد من أكثر المناطق تهديدا بخطرالفيضانات المفاجئة والناتجة عن تساقطات رعدية بعالية ووسط الحوض، ولاشك أن تراجع سعة تخزين السد يسرع من ظاهرة الفيضانات ؛
X انخفاض في إنتاج الطاقة الكهرومائية، فإذا كان الإنتاج الطاقي لمعمل السد في سنة 1979، يبلغ إلى 36 جيغاواط/ساعة، فقد أصبح اليوم يتراوح ما بين 20 و30 جيغاواط/ساعة. وسيزيد تناقص المياه داخل السد من انخفاض الضغط المائي لتشغيل محركات المعمل الهيدروكهربائي .
وسعيا للحد من مخاطر انجراف التربة والتوحل، اتخذ المسؤولون عدة إجراءات للمحافظة على استقرار المشهد الطبيعي داخل الحوض، نذكر منها على الخصوص :
<div style="text-align: justify;"><b>
أكثر...
جهة طنجة- تطوان كنموذج ( ملف خاص )
محمد صباحي // كلية الآداب- تطوان
Email : inasszaid@hotmail.com
لقد أكدت كل الدراسات والأبحاث، أن الوسط الطبيعي بالمغرب في تدهور مستمر في شتى مظاهره، مما يهدد بحق مستقبل التوازنات البيئية ." لقد خلصت الدراسات* التي أجريت مؤخرا إلى أن التكلفة السنوية لتدهور البيئة ببلادنا تصل إلى حوالي 13 مليار درهم، أي ما يعادل 3،7 % من الناتج الداخلي الخام. كما أن تكلفة استصلاح البيئة تعادل 1،8 % من الناتج الداخلي الخام "( كتابة الدولة المكلفة بالماء والبيئة / 2011 ) .
إن أشكال التدهور البيئي متعددة الوجوه، ويمكن اعتبار سوء التدبير والتعامل غير السليم للإنسان مع بيئته واستغلاله العشوائي والمكثف للموارد الطبيعية، من العوامل الرئيسة في زعزعة النظم الإيكولوجية والإخلال بالتوازن البيئي ببلادنا. فبدون بيئة سليمة لا تكتمل شروط التنمية المستدامة مهما كان شكل التحديات. " ومن المؤسف أن حجم موارد الأرض والبحر يتناقص باستمرار في الوقت الذي تتنامى فيه احتياجات السكان. لذا يتعين على المغرب أن يعي أن تنميته تعتمد في جزء كبير منها على قدرته على حسن تدبير موارده الطبيعية "(حميد نرجس وآخرون / 2000 ) .
وتشكل التعرية المائية وما ينتج عنها من مخلفات بيئية وتنموية إحدى الإكراهات الطبيعية التي يصعب معالجتها على المدى القريب. وتتجلى أهمية التعرية المائية حسب نوعية التكوينات الصخرية وأهمية درجة الانحدارات، و طبيعة الأمطار وحدتها وتاريخ سقوطها والمدة الزمنية التي تستغرقها وحالة الغطاء النباتي. فحركة المياه وتفاعلها داخل الأوساط الطبيعية يؤدي إلى انجراف التربة. ويمكن تحديد قابلية التربة للانجراف حسب العمق ونوعية الأساس* المكون لها .
I- التعرية المائية وانجراف التربة :
التعرية المائية هي ظاهرة طبيعية فيزيائية وكميائية تتعرض فيها التربة والصخور للنحت والتآكل. ويزيد من حدتها، هشاشة القاعدة الصخرية وضعف سمك التربة ووعورة منظومة الانحدارات وتدهور الغطاء النباتي وقساوة المناخ والاستعمال غير المعقلن للتربة من طرف الإنسان، كلها عوامل تساهم بشكل أو بآخر في انجراف** التربة. وتعد الأوساط الجبلية من الأكثر المجالات المغربية عرضة للتعرية المائية، بحكم توفرها على بيئة مناسبة تيسر من نشاطها. " و تتسبب التعرية المائية في فقدان 20000 هكتار من الأراضي سنويا لخصوبتها ولطبقتها القابلة للزراعة. إذ أن ما يزيد عن 11 مليون هكتار من الأراضي في الأحواض المنحدرة فوق السدود معرضة لأخطار كبيرة بالانجراف " ( مديرية إعداد التراب الوطني / 2002 ) .
تشهد معظم الأحواض النهرية بالمغرب تعرية مهمة، حيث يزيد حجم انجراف التربة بالمنحدرات الريفية لحوض سبو (ورغة) عن 2000 طن/كلم2 /السنة ، فيما تتراوح ما بين 1000 و2000 طن/كلم2 /السنة بالمنطقة الشبه الريفية لحوض سبو والحوض المائي اللوكس ، أما المنطقة التي تهم بعض الأحواض الفرعية لأم الربيع وسوس ، فهي تنحصر ما بين 500 و 1000 طن/كلم2 /السنة ، بينما بقية المناطق يقل الإتلاف النوعي للتربة بها عن 500 طن/كلم2 /السنة. " فبمنطقة الريف يفوق ضياع رصيد التربة بـ 2000 طن/كلم2 /السنة، ويتراوح ما بين 500 و 1000 طن/كلم2 / السنة، بالأطلس المتوسط و الكبير " ( Lahlou.A / 1994 ) .
يتميز المجال الريفي بخصائص جيولوجية ألبية حديثة التكوين. حيث أفرزت الحركات الإلتوائية التي تعرض لها المجال خلال الزمن الثاني والثالث بنيات معقدة مكونة من تراكمات سميكة ولزجة. فهو يتشكل أساسا من تكوينات دولومتية وكلسية، وأخرى طينية ومارنو- شيستية، إضافة إلى توضعات فليشية- شيستو- حثية والتي تشكل الأساس الصخري للجبال المتوسطية. " فالسلسلة من النوع الألبي تتكون من عدة مجالات بنيوية على شكل أشرطة موازية للبحر. وهو أصلا أخدود انطلق تكوينه منذ الزمن الثاني وتلقى رواسب سميكة يغلب فيها الفيليش. وتعود الحركات إلى الميوسين الأوسط والأعلى حيث تقدمت إلى الجنوب فرشات من الفليش أو من الصلصال وتراكبت بعضها فوق بعض"( عبد الله العوينة / 1989 ) .
ويشكل الريف النهاية الغربية للسلسلة الألبية التي تتميز ببنيتها الصعبة، حيث تأخذ شكل بنية إلتوائية زاحفة معقدة يغلب عليها شدة التقطع والتخديد وتعمق الأودية وقصرها. لذا،" فالسهول تبدو شبه منعدمة، حيث لا تمثل سوى 700 كلم2 (معظمها يتواجد بمحاذاة الساحل التطواني والحسيمة)، أي ما يعادل حوالي 2,2 % من إجمالي الميدان الريفي" (Thauvin J-P/ 1971 ) .
ويتميز الريف * بارتفاعات مهمة وانحدارات شديدة الوعورة، ساهم تواجدها في رحاب تكوينات جيولوجية غير منفذة إلى حد كبير في كثافة الجريان السطحمائي، الأمر الذي يزيد من حدة انجراف التربة وعدم استقرارها بالسفوح ، ولاسيما عند حدوث تساقطات مطرية عنيفة ومركزة." فمنطقة الريف الشمالي الغربي تنفرد بهشاشة سفوحها وعدم استقرارها. وعدم الاستقرار هذا الذي يلاحظ على إثر التساقطات المطرية الغزيرة، يتجلى في طبيعة السطح المتموج، الشكل المائل للأشجار، الانزلاقات .... "( محمد الطاهري وآخرون / 1999 ) .
إن هشاشة التكوينات الصخرية، مقابل قوة السيلان المائي وشدة الانحدارات يجعل التربة بالمجال الريفي المتوسطي ذات قابلية كبيرة للتعرية." تعم الريف صخور هشة تتجاوز نسبتها 70 % ببعض الجهات، وقد تصل 100 % بمقدمة الريف … وترتبط التعرية الخطية بالريف بسيول قوية ناتجة عن عدم نفاذية السطح وبقوة الانحدار وقلة الموانع التي تعترض جريان الماء بحيث يكتسب قوة ومفعولا أكبر"( بوشتي الفلاح / 2000) .
وتعتبر جهة طنجة -* تطوان بحكم انتمائها للريف الغربي مجالا غير مستقر، حيث تنشط فيه التعرية المائية بشكل كبير. وتتراوح كميات الرواسب التي تجرفها المياه بأحواض طنجة ما بين 800 و3100 طن/كلم2 /السنة ، أما تطوان ما بين 900 و 3360 طن/كلم2 /السنة ، فيما اللكوس ما بين 1146 و3905 طن/كلم2 /السنة ( وكالة الحوض المائي اللكوس / 2004 ). أرقام غير مطمئنة تهدد بالفعل التوازنات البيئية الهشة، كما تطرح أكثر من علامة استفهام على مستقبل الوسط البيئي بالجهة .
من جهة أخرى، تشكل التساقطات المطرية أحد العناصر الرئيسة المسببة في انجراف التربة، وذلك بفعل كثافة الزخات المطرية وقوة سقوطها على الأرض في فترة زمنية محددة من السنة، كما أن لتقلبات درجات الحرارة تأثير مباشر على عمليات انجراف التربة." وتعد التساقطات أهم محرك للتعرية المائية، التي تزداد حدتها بشكل متناسب مع عدوانية الأمطار. ويعتبر العنف المطري المسؤول الرئيسي عن الجريان، لأن الزخات المطرية هي التي تعمل على الرفع من كميته على حساب النفاذ " ( علي فالح / 2010 ) .
تخضع جهة طنجة- تطوان لتأثيرات المناخ المتوسطي، والذي يتميز بفصلين : أحدهما ممطر يوافق فصل الشتاء والآخر حار وجاف يمتد على أطول فترة من السنة. " ويعزى هذا، إلى تركز التساقطات المطرية في فترة زمنية محددة من السنة، بل وأحيانا تكون مركزة في بعض الأيام من فصل الشتاء، وهي ما تعرف بالتساقطات الوابلية (انجراف المواد المفتتة بشكل كبير) والتي تتسبب في تشبع سريع للمجالات السطحية فيظهر الجريان السطحي " ( محمد صباحي / 2004 ) .
إن المناخ المتوسطي * بمظهره العام داخل المجال الريفي يطرح تهديدا حقيقيا للتربة وينبيء باستفحال العمل المورفودينامي للسفوح وما سيلحقها من انزلاقات وانجرافات للأتربة والأوحال مستقبلا. فالتساقطات المطرية بالريف تكون عنيفة وغير منتظمة، وتنزل فوق سفوح شديدة الانحدار، وذات قاعدة صخرية هشة، مما ينشط عملية التعرية بكثرة. ويمكن تقسيم كمية المواد المنقولة بالمياه حسب نوعين من السيرورات : هناك الإنجرافات الكتلية والتدفقات الوحلية التي تنشط بالأخص على المنحدرات ذات التكوينات الصلصالية .
يلعب الغطاء النباتي دورا مهما في تثبيت التربة في مكانها والحفاظ على تماسكها، بل وحمايتها من التعرية المطرية وتأثيرات أشعة الشمس، وبالتالي يحول دون انجرافها وحدوث انزلاقات أرضية.
ويبقى انجراف التربة رهين بمدى كثافة الغطاء النباتي ( كثيف أم هزيل ) وتنوع تشكيلاته الشجرية والعشبية التي تتغير حسب نوعية التربة والارتفاع. كما أن آثار وأضرار الانجراف تظهر بدرجات متفاوتة حسب أهمية الضغط البشري على الغطاء النباتي ، فتراجعه لا يمكن فصله عن العوامل الأخرى المؤثرة في انجراف التربة بمختلف جهات البلاد .
يغطي المجال الغابوي** بالمغرب حوالي 9 مليون هكتار(منها 5،8 مليون هكتار عبارة عن غابات و3،2 مليون هكتار مكونة من سهوب الحلفاء)، أي ما يعادل 12 % من المساحة العامة للبلاد، علما أن المعدل الضروري للتوازن البيئي هو ما بين 15 % و 20 % . " وطبقا للمادة الثانية من ظهير 10 أكتوبر1917، فإن تدبير الملك الغابوي والعقارات يسري عليها النظام الغابوي وهو من اختصاص
المندوبية* السامية للمياه والغابات ومحاربة التصحر " ( المجلس الأعلى للحسابات / 2009 ) .
ويرتبط تأثير الإنسان على الغطاء النباتي حسب كثافة السكان وطبيعة تدخلهم. ويتوقف هذا التدخل على نوع الطرق والأساليب المتبعة في استغلال المجال. فالوضع السو سيو- اقتصادي الصعب الذيعيش فيه السكان بالأوساط الجبلية يدفعهم إلى الإفراط في ممارسة حقوق الانتفاع، إذ يعتبر أغلبه أن الغابة امتداد لحيازتهم الفلاحية، وذلك عن طريق الإجتثات المكثف للحصول على أراضي زراعية إضافية، دون مراعاة القواعد والأعراف الخاصة بالاستغلال الغابوي .
هناك أيضا، الرعي الجائر الذي يفوق بكثير طاقات المراعي الطبيعية والاستغلال المفرط للحطب. إضافة إلى الحرائق التي تأتي على آلاف الهكتارات من المساحات الطبيعية، خاصة في فصل الصيف. ويمكن حصر أسبابها في لامبالات السكان والمارين عبر الطرق والمسالك أو متعمدة قصد الترامي على الأراضي وحرثها لزراعة القنب الهندي كما هو الشأن بمنطقة الريف .
في خضم هذا الوضع، يعرف الغطاء النباتي ببلادنا تدهورا مستمرا يزيد من تفاقم انجراف التربة. ويقدر تراجع المساحات الغابوية بمعدل 31000 هكتار/ السنة، منها 000 22 هكتار( خشب متقطع ) يلبي استعمالا مزدوجا " الطهي والتدفئة " ، و6000 يتم اجتثاتها ( قلع الأشجار). أما 000 3 هكتار، فهي ناتجة الحرائق الغابوية ( مديرية إعداد التراب الوطني / 2001 ) .
كما أن عدم استخدام تقنيات وأساليب الحفاظ على التربة في الأراضي المزروعة والمراعي يجعل التربة أكثر عرضة للانجراف. إذ أن الحرث العصري في اتجاه انحدار السفوح الذي يسهل تركز الجريان بأخاديد الحرث، يؤدي إلى ضياع 543 ط/ كلم2 في السنة، بينما لا تمثل هذه الكمية سوى 112 ط/ كلم2 عند استعمال المحراث التقليدي .
وتعتبر الأوساط الجبلية بالأطلس والريف أكثرها تهديدا من حيث تراجع المساحات الغابوية. لقد عرفت الغابات الطبيعية بالريف تراجعا في مساحتها وصل في المتوسط سنويا إلى 2800 هكتار بجهة طنجة - تطوان. " فهناك تدهور التربة وتوسع تأثيرات الانجراف المكثف على حساب الأراضي المزروعة مع الغياب الشبه التام لمشاركة السكان المحليين في حماية هذه الموارد " ( مديرية إعداد التراب الوطني / 2000 ) .
أمام هذا الوضع، تقوم حاليا ( 2011 ) المندوبية السامية للمياه والغابات ومحاربة التصحر بعملية تشجير مايناهز 35000 هكتار /السنة، وهناك التفكير في رفع هذه النسبة إلى 50000 هكتار/السنة. وبالرغم من هذه المجهودات، إلا أنها تبقى غير كافية في ظل ضعف الإمكانيات المادية والتقنية والقانونية. " يكاد يتفق جل الفاعلين في مجال البيئة في المغرب على أن الغابة ببلادنا تواجه عدة مخاطر وصعوبات مرتبطة بالعوامل الطبيعية. لكن الشق الأكبر منها يتعلق بالعوامل البشرية" ( خالد ابن شقرون /2011 ).
لقد ساهم التدهور الذي لحق المساحات الغابوية بالمغرب إلى تقليص التنوع البيولوجي على مستوى النظم البيئية والأصناف، وكذا تحويل النظم البيئية المتوازنة إلى نظم مبسطة وبالتالي هشة. إن الآثار المتراكمة عن تدهور الأوساط البيئية ساهم في إتلاف مجموعة من الموارد الطبيعية، ومن ضمنها انجراف التربة وظاهرة توحل حقينات السدود .
II - التوحل وانعكاساتة :
يقصد بالتوحل التراجع التدريجي لسعة تخزين حقينات السدود بفعل تراكم الأوحال، الذي هو نتيجة حتمية لظاهرة انجراف التربة، ويشكل إحدى الإشكالات الكبرى التي تهدد السير الوظيفي لهذه المنشآت المائية، بل وتشكل تهديدا حقيقيا لسلامة ولأمن السدود. " إن انجراف التربة الناتج عن سوء استعمال الموارد الغابوية، وعدم القيام بتشجير المناطق المجاورة لمراكز السدود، أدى بالسدود إلى الامتلاء بالتربة، وذلك بسرعة فائقة فتقلص مردودها الاقتصادي وعملها الإنتاجي في خزن المياه وإنتاج الكهرباء " (إدريس بن صاري وأحمد عاتق/ 1982 ) .
ويمكن اعتبار تراكم الأوحال بحقينات السدود أحد مؤشرات التدهور البيئي بالمغرب. فهناك مجموعة من السدود تعرف سنة بعد أخرى تزايدا في كميات الترسبات، وبالتالي تقلصا في حجم المياه المعبأة في حقيناتها * . ويهم التوحل جل السدود الوطنية، لكن بنوع من التباين من منشأة هيدرولوليكية لأخرى حسب تنوع الأوساط الطبيعية وطريقة تدخل الإنسان .
وتتراجع سعة تخزين حقينات السدود ببلادنا بأكثر من 75 مليون م3 / السنة، ومن المحتمل أن تصل إلى 100 مليون م3 في حدود 2020 ، ثم إلى 150 مليون م3 / السنة في أفق 2030 . " كما أن مستويات توحل أحواض السدود يتسبب سنويا في احتلال مساحات تعادل حقينة 75 مليون متر مكعب، أي ما يساوي حقينة سد من الحجم المتوسط، من شأنه أن يضمن ري أكثر من 10000 متر مكعب .." ( المغرب الممكن / تقرير الخمسينية / 2006 ) .
هناك خمسة سدود فقدت أكثر من 40 % من سعتها الأصلية، وهي مشرع حمادي ووادي المالح وسيدي إدريس ومحمد الخامس** والنخلة. فيما سبعة سدود فقدت من طاقتها مابين 20 % و 40 % ، ويتعلق الأمر بسد ابن بطوطة والمنصور الذهبي والحسن الداخل ومحمد بن عبد الكريم الخطابي وللا تاكركوست وسد القنصرة وواد المخازنن، أما باقي السدود أقل من 20% من طاقتها التخزينية. الجدول التالي، يعطينا فكرة عن تراجع مخزون مياه حقينات بعض السدود بجهة طنجة- تطوان .
جدول معدل التوحل لبعض السدود بجهة طنجة- تطوان (2003 / 2004)
السد
سنة العمل
طاقة الخزن الأولية (بالمليون م3)
طاقة الخزن/ 2004 (بالمليون م3)
معدل التوحل م. م3 / السنة
ابن بطوطة
1977
43،6
32،5
0,41
9 أبريل 1947
1995
301
-
0،5
أسمير
1991
43،1
41،4
0،15
النخلة
1961
9
4،7
0،26
واد المخازن
1979
807
699،4
3،7
علي ثلاث
1935
30
متوحلة
0،78
المصدر: وكالة الحوض المائي اللكوس ، تطوان / مارس 2011 ..
أهم ملاحظة تسترعي الانتباه عند قراءة معطيات الجدول أعلاه، هو تراجع طاقة تخزين السدود من المياه منذ الشروع في عملها إلى حدود 2004. فعلى سبيل المثال، سد واد المخازن فقدت سعته بسبب تراكم الأوحال 107،6 مليون م3 والنخلة بحوالي 4،3 مليون م3 ، أي تقريبا 50 % من طاقته التخزينية. ونفس الشيء يقال بالنسبة لمعدل التوحل الذي يعرف أرقاما مرتفعة بالسدود المعنية. " إنه على الرغم من حداثة نشأة بعض السدود بالمنطقة، فإن الشطر الميت منها كله متوحل (مثال سدود ابن بطوطة وواد المخازن). بالنسبة للسدود غير حديثة العهد، فإن نسبا مئوية مرتفعة منها قد توحلت (حالة سد علي ثلاث) " (وكالة الحوض المائي اللكوس- تطوان/ تقرير/ 2006-2007) .
ونظرا لأهمية انجراف التربة وتوحل السدود بجهة طنجة- تطوان، أجريت بعض الدراسات على سدود الجهة. نأخذ منها على سبيل المثال، خلاصة دراسة سد* واد المخازن، على اعتبار كونه يعد أكبر سد بالجهة ، وفي نفس الوقت يعاني بحدة من مشكل التوحل. وقد اعتمدت هذه الخلاصة على معطيات ميدانية وتقنية وإحصائية مستخلصة من تقارير وكالة الحوض المائي اللكوس والمكتب الجهوي للإستثمار الفلاحي اللكوس. ويمكن إيجاز النتائج التي أفرزتها في النقط التالية :
.
× هشاشة الصخور بعالية الحوض ووسطه مما سهل من عمليات التعرية. هذه المنطقة مكونة أساسا من صخور هشة تعرضت لتعرية عنيفة. فبعد التشبع بمياه الأمطار، تتعرض صخور السفوح الصلصالية- الطينية والمارنية على التوالي إلى الانزلاق وتدفقات وحلية ؛
× تباين في الوحدات التضاريسية، فهي تتميز بالتنوع والتدرج في الارتفاع كلما اتجهنا من الغرب نحو الشرق. فإذا كانت سافلة الحوض تتسم بأراض منبسطة بها ارتفاعات ضعيفة، فإن اللكوس الأوسط والأعلى تكسوه مجموعة من التلال والجبال. هذه الوحدات توفر لها ارتفاعاتها وتأثرها بالعوامل المناخية ظروف ملائمة لنشاط التعرية ؛
× تساقطات مطرية عنيفة شتاء باللكوس الأوسط والأعلى، حيث يتراوح المعدل ما بين 700 ملم (بمحطة الساحل أزلا) و 200 1 ملم (بمحطة تانقوب). ومع شدة الانحدارات وقوة الجريان المائي، تصبح عمليات التعرية أكثر حيوية، مما يعجل في نقل وترسيب المواد في سافلة الحوض ؛
× تراجع الغطاء النباتي خاصة بالجزء الأعلى والأوسط من حوض اللكوس، يسرع من انجراف التربة. ويعتبر تدخل الإنسان طرفا رئيسيا في الإخلال بالنظم الإيكولوجية داخل الحوض، بسبب الاستغلال العشوائي والمفرط للغابة. كما أن قطع الحطب والتفحيم وتربية الماعز وحرث الأراضي في اتجاه الانحدار، ساهم بشكل أو بآخر في تدني الغطاء النباتي في مناطق مختلفة من الحوض .
يبدو جليا إذن، أن انجراف التربة بالحوض، تعود أسبابه إلى عوامل طبيعية وأخرى بشرية. "… إن 66 % من تراب حوض اللكوس تقع في مناطق جبلية، حيث تؤدي قساوة المناخ وشساعة القواعد الأرضية الهشة إلى انجراف التربة..." ( المجلس الأعلى للماء والمناخ/ 1993 ). وقد ترتب عن توحل سد واد المخازن، انعكاسات تقنية وسوسيو-اقتصادية، يمكن تلخيصها في النقط الآتية :
X تراجع طاقة تخزين المياه بحقينة السد، ففي سنة 1979 كان الحجم العادي للحقينة يبلغ إلى 807 مليون م3، في حين أصبح سنة 2004 لا يتجاوز 699،4 مليون م3 ؛
X عرقلة برامج التنمية بحوض اللكوس، ولاسيما المجالات السقوية بالرمل 1 و 2 وبسهل القصر الكبير والدرادر. فهناك العديد من الهكتارات تعرف انخفاضا في الإنتاجية الفلاحية وتراجعا في المردودية، فالأعطاب الناجمة عن الوحل تؤدي إلى ضياع أكثر من 25 % من المياه الموجهة للسقي.علاوة على كون ارتفاع الغرين في مياه السقي، يؤدي إلى تغيير في بنية ونسيج تربة الأراضي المراد سقيها ( تضاؤل إنتاجية الأراضي ) ؛
X تعرض منشآت السد والتجهيزات الهيدروفلاحية إلى عدة أعطاب. لقد علمنا أن المواد المنقولة المتراكمة في قعر السد، تهدد سلامة المنشآت، كآليات التفريغ والقنوات ومآخذ المياه وحواجز الكبس والعدادات، حيث تقوم الإرسابات بخنقها وتعطيل وظيفتها أحيانا. كما تصبح سلامة السد مهددة بفعل المواد المرسبة خاصة منها الصلبة مما يشكل قوة دافعة على السد. كذلك ترسب الوحل في المنشآت الهيدروفلاحية، ينتج عنه إتلاف آليات محطات الضخ والقنوات الرئيسية وشبكة السقي وما إلى ذلك.
X تفشي ظاهر التخاصب *، أي انتشار كائنات عضوية مرئية وطحالب مجهرية في مياه بحيرة السد. فالتوحل يساعد على تشكيل وسط ملائم لتنامي ظاهرة التخاصب. الأمر الذي ينتج عنه الزيادة في تكلفة معالجة المياه الموجهة لقطاع الماء الصالح للشرب. مع العلم أن مياه السد تغطي حاجيات مجموعة من دواوير منطقة اللكوس والمدن المجاورة لها (وزان والقصر الكبير وسوق الأربعاء الغرب وبلقصيري، إلخ) بالماء الصالح للشرب انطلاقا من سد واد المخازن .
X تفاقم خطرالفيضانات في حالة الحمولات القوية. فسافلة الحوض تعد من أكثر المناطق تهديدا بخطرالفيضانات المفاجئة والناتجة عن تساقطات رعدية بعالية ووسط الحوض، ولاشك أن تراجع سعة تخزين السد يسرع من ظاهرة الفيضانات ؛
X انخفاض في إنتاج الطاقة الكهرومائية، فإذا كان الإنتاج الطاقي لمعمل السد في سنة 1979، يبلغ إلى 36 جيغاواط/ساعة، فقد أصبح اليوم يتراوح ما بين 20 و30 جيغاواط/ساعة. وسيزيد تناقص المياه داخل السد من انخفاض الضغط المائي لتشغيل محركات المعمل الهيدروكهربائي .
وسعيا للحد من مخاطر انجراف التربة والتوحل، اتخذ المسؤولون عدة إجراءات للمحافظة على استقرار المشهد الطبيعي داخل الحوض، نذكر منها على الخصوص :
<div style="text-align: justify;"><b>
أكثر...